أحمد الفاروقي السرهندي

260

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

نفسه بخلق السّموات والأرض ويقول في مدح نفسه رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ * « 1 » ولا احتياج لهؤلاء السّفهاء إلى حضرة الحقّ سبحانه بزعمهم الفاسد أصلا ولا التجاء لهم إليه تعالى قطعا ينبغي لهم أن يراجعوا وقت الاضطرار والاحتياج إلى العقل الفعّال وأن يطلبوا قضاء حوائجهم منه بل لا يتصوّر طلب قضاء الحاجة من العقل الفعّال أيضا لكونه موجبا ومضطرّا غير مختار في زعمهم إنّ الكافرين لا مولى لهم وما هو العقل الفعّال حتّى يدبّر الأشياء وتكون الحوادث مستندة إليه وفي نفس وجوده وثبوته الف كلام فإنّ تحقّقه وحصوله مبتن على المقدّمات المموّهة الفلسفيّة الّتي هي غير تامّة على الأصول الإسلاميّة والأبله من يصرف استناد الأشياء عن القادر المختار جلّ شأنه ويجعلها مستندة إلى مثل هذا الامر الموهوم بل يلحق الأشياء الف عار وفضيحة من كونها مستندة إلى منحوت الفلسفيّ بل الأشياء تكون راضية ومسرورة بعدمها ولا تميل إلى الوجود أصلا من فضيحة استناد وجودها إلى مجعول الفلسفيّ وخوف الحرمان من سعادة الانتساب إلى قدرة القادر المختار جلّ سلطانه كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً « 2 » وكفّار دار الحرب مع وجود عبادة الأصنام أحسن حالا من هذه الجماعة فإنّهم يلتجئون إلى الحقّ سبحانه في المضايق ولا يجعلون أصنامهم غير وسائل الشّفاعة عنده تعالى وأعجب من هذا أنّ جماعة يسمّون هؤلاء السّفهاء حكماء وينسبون أقوالهم إلى الحكمة وأكثر أحكامهم سيّما في الإلهيّات الّتي هي المقصد الأسنى كاذبة ومخالفة للكتاب والسّنّة فبأيّ اعتبار يطلق الحكماء على هؤلاء الذين لا نصيب لهم غير الجهل المركّب اللّهمّ الّا إذا قيل على سبيل التّهكّم والاستهزاء أو يعدّ من قبيل إطلاق البصر على الأعمى . ( وجمع ) من هذه السّفهاء اختاروا طريق الرّياضات والمجاهدات من غير التزام طريق الأنبياء عليهم السّلام بل بمجرّد تقليد صوفيّة الهيّة كانوا في كلّ عصر من متابعى الأنبياء عليهم السّلام واغترّوا بصفاء أوقاتهم واعتمدوا على مناماتهم وخيالاتهم وجعلوا كشوفهم الخياليّة مقتداهم في سائر حالاتهم ضلّوا فأضلّوا ولم يعلموا أنّ ذلك الصّفاء هو صفاء النّفس الذي يؤدّي إلى طريق الضّلالة لا صفاء القلب الذي هو روزنة الهداية فإنّ صفاء القلب منوط بمتابعة الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وتزكية النّفس مربوطة بصفاء القلب وسياسته إيّاها وحكم تصفية النّفس مع وجود ظلمة القلب الذي هو محلّ ظهور أنوار القدم كحكم إسراج سراج لنهب العدوّ الذي هو في الكمين وهو إبليس اللّعين . ( وبالجملة ) انّ طريق الرّياضة والمجاهدة كطريق النّظر والاستدلال إنّما يعتبر ويعتمد عليه إذا كان مقرونا بتصديق الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات الذين يبلّغون الأمانة من قبل الحقّ جلّ وعلا ومؤيّدون بتأييده سبحانه ومعاملتهم محفوظة من كيد اللّعين ومكره بنزول الملائكة المعصومين إِنَّ عِبادِي لَيْسَ *

--> ( 1 ) - الآية : 28 من سورة الشعراء والآية : 9 من سورة المزمل . ( 2 ) - الآية : 5 من سورة الكهف .